الاسراء والمعراج
رحلة عظيمة من الله تعالى عز وجل إلى رسولنا الكريم سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا ومولانا محمدٍ صلى الله عليه وسلم . رحلة فى دقائق معدودة لا يتصورها العقل من حيث الزمان ومن حيث المكان .
سوف أكمل لكم كتابة أروع وأحلى رحلة حصلت فى التاريخ ، كتاب يحكى أمور السماء والملائكة ، وما خص فيها الله سبحانه وتعالى لرسولنا سيدنا ومولانا محمدٍ صلى الله عليه وسلم من كرامة وخير فى الدنيا والآخرة ، وكذلك لأمته من بعده فهنيئا لى ولكم بنعمة الإسلام .
( أحمدك ربى على نعمة الإيمان بك وشرف الإسلام لك ، وأصلى وأسلم على خاتم رسلك وخاتم أنبيائك سيدنا محمد، أذن الخير التى استقبلت آخر إرسال السماء لهدى الأرض ولسان الصدق الذى بلغ عن الحق مراده من الخلق ، سبحانك ربنا تفضلت بالتكليف وتفضلت بالمعونة فأنت المتفضل أولا وأنت المتفضل آخرا ، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين ) 🤲 .
وهذا هو كتاب :
الاسراء والمعراج
للامام إبن عباس
دار العلوم الحديثة
بيروت _ لبنان
﴿ لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم .
قال الله تعالى : ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير )
( الجزء الرابع )
فقلت : إلهى وسيدى ومولاى خلقت آدم بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدك له ملائكتك واتخذت إبراهيم خليلاً وتكلمت موسى تكليما ورفعت إدريس مكاناً علياً وأعطيت داوود زبورا وغفرت له ذنباً عظيماً وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً وسخرت له الإنس والجن والطير والوحش والريح وخلقت عيسى من كلمتك فبم فضلتنى كما فضلت هؤلاء ؟
قال الله تعالى : يا أحمد إن كنت خلقت آدم بيدى فقد خلقته من طين وخلقتك من نور وجهى وإن كنت اتخذت إبراهيم خليلاً فقد اتخذتك حبيباً والحبيب أفضل من الخليل وإن كنت كلمت موسى تكليما فقد كلمته من وراء حجاب على سور سيناء وكلمتم عى بساط القرب بغير حجاب وإن كنت رفعت إدريس مكاناً علياً فإنما رفعته إلى السماء الرابعة ورفعتك إلى مكان لم يصل إليه أحدٌ غيرك وإن كنت أعطيت سليمان ملكاً عظيماً فقد جعلت لك الأرض مسجداً والتراب طهوراً وإن كنت أعطيت داوود زبورا فقد أعطيتك سبعاً من المثانى والقرآن العظيم وفيه سورة الفاتحة وسورة البقرة وسورة آل عمران ما قرأها أحدٌ من أمتك إلا غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل وإن كنت خلقت عيسى بكلمتى فقد شققت لك إسما من إسمائى وجعلت إسمك مع إسمى لا يقول عبدٌ لا إله إلا الله إلا ويقول محمدٌ رسول الله ومن لم يقر برسالتك فلا أقبل منه عمله وهو فى الآخرة من الخاسرين وأعطيتك الكوثر وهو نهر حصباؤه الدر والجوهر وماؤه أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل وترابه من المسك الأذفر ونباته الزعفران وعرضه سبعون ألف ميل وأعطيتك الحوض المورود والشفاعة الكبرى والدرجة الرفيعة وصيام رمضان وفيه أنزل القرآن عليك وأحللت لك الغنائم ولم أحلها لأحد من قبلك ، قلت : يارب هذا لى فما أعطيت أمتى ؟ قال يا محمد قد غفرت بسبعين ألفاً من أمتك قد وجبت لهم النار ، قلت : يارب زدنى ، قال : إذا تاب العاصى قبل موته بسنة تبنا عليه ، قلت : يارب زدنى فالسنة كثيرة ، قال : إذا تاب قبل موته بشهر تبنا عليه ، قلت : يارب زدنى فالشهر كثير ، قال : إذا تاب قبل موته بجمعة تبنا عليه ، قلت : يارب زدنى فالجمعة كثير ، قال : إذا تاب قبل موته بيوم تبنا عليه ، قلت : يارب زدنى فاليوم كثير ، قال : إذا تاب قبل موته بساعة تبنا عليه ، قلت : يارب زدنى فالساعة كثير ، قال : إذا تاب قبل الغرغرة جدنا عليه وقبلنا توبته .
قلت : يارب زدنى ، قال : قد أعتقنا من أمتك كل ليلة جمعة مائة ألفاً من النار ، قلت : يارب زدنى ، قال : إذا كان آخر ليلة من رمضان أعتقنا بعدد ما أعتقنا من أول الشهر إلى آخره ، فقلت : يارب زدنى ، فحسا لى ثلاث حسيات ، وقال لى : خذ وخذ وخذ ، قلت : يارب وما تفسيرها ؟ قال : عفوى وحلمى ورحمتى ، فقلت : لك الحمد والشكر والإكرام والعظمة والإحسان ، ثم هممت بالنزول فنادانى ربى عز وجل : على رسلك يا محمد إنى مفترض عليك وعلى أمتك فريضة من وفى بها دخل الجنة ومن قصر عنها فإن شئت غفرت له وإن شئت عذبته فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فى كل يوم وليلة ، فقلت : سمعنا وأطعنا .
ثم نزلت وهو يصلى ويسلم علىَّ فلم أزل أسير حتى أتيت أخى موسى بن عمران عليه السلام فلما رآنى نهض قائماً وقال : مرحباً الصادق الحبيب أمن عند ربك ؟ قلت : نعم ، قال : ما أعطاك ؟ قلت : أعطانى وأرضانى ، قال : فما أعطى أمتك ؟ قلت : أعطاهم وأرضاهم وفرض علىَّ وعليهم خمسين صلاة فى اليوم والليلة ، قال موسى : فارجع واسأله التخفيف فإن أمتك أمة آخر الزمان جسدهم ضعيف وعمرهم قصير لا يطيقون ذلك فأسأل ربك أن يخفف عنهم ، فقلت : يا أخى ومن يخترق تلك الحجب التى اخترقتها ؟ قال موسى : اسأله من هنا فإنه قريب مجيب ، وإذا بالنداء من العلى الأعلى : اسأل ما شئت فقد أجبتك ، قلت : يارب أمتى ضعفاء لا يقدرون على خمسين صلاة ، قال : فحط عنى وعن أمتى خمسا فرجعت إلى موسى وقلت له ، فقال : ارجع إلى ربك واسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ، فلم أزل أسأل ربى عز وجل وموسى يكلمنى حتى وهب لى خمسة وأربعين وفرض علىَّ وعلى أمتى خمس صلوات ، قال موسى : اسأله التخفيف ، قلت : يا أخى قد استحييت من ربى ، فنادانى ربى : يا محمد ارجع وقد جعلناها خمساً فى العمل وخمسين فى الميزان كل صلاة بعشر صلوات ما يبدل القول لدى الحسنة بعشر أمثالها ومن فعل سيئة كتبت عليه سيئة مثلها .
قال النبى صلى الله عليه وسلم ثم ودعت موسى وانصرفت حتى أتيت أخى جبريل عليه السلام وإذا هو قائم على حاله لم يتقدم ولم يتأخر فلما رآنى عانقنى وقال : مرحباً يا حبيب رب العالمين أى شئ أتيت من ربك ؟ فقلت : أعطانى ربى فضلاً عظيماً وإحساناً وشرفاً وعطاءً كثيراً وكرماً جزيلاً ، قال : علمت أنك أكرم الخلق على الله تعالى ، ثم أخذ بيدى وسرنا حتى أتينا الجنة وإذا بملك عظيم الخلقة حسن المنظر بهى الوجه والنور يلوح من وجهه جالس على كرسى من نور وعليه الحلى والحلل ، فقلت : يا أخى يا جبريل من هذا ؟ قال : هذا رضوان خازن الجنان ، فتقدمت وسلمت عليه فلما رآنى نهض مبتسماً ورد علىَّ السلام وعانقنى وصافحنى وقال : مرحباً بالنبى الناصح والأخ الصالح ، فقال جبريل : يا رضوان خذ بيد حبيب الله وأره الجنة وما أعد الله له ولأمته .
فأخذنى وأدخلنى الجنة ، فنظرت فإذا أرضها بيضاء مثل الفضة وحصاؤها من اللؤلؤ والمرجان وترابها المسك ونباتها الزعفران وأشجارها ورقة من فضة وورقة من ذهب والثمار عليها مثل النجوم المضيئة والعرش سقفها والرحمة حشوها والملائكة سكانها والرحمن جارها .
فأخذ رضوان بيدى وسرنا بين أشجارها وما فيها من سرور وعيون وحور عين وأبكار وقصور عاليات وولدان كأنهن الأقمار وخدم وحشم وكرم وأنعام ونعيم ومقام وخلود وسعود ودوام وفرح فى جوار الملك العلام ، ورأيت قبة من لؤلؤة بيضاء معلقة بلا علاقة تحملها أو تمسكها لها ألف باب من الذهب الأحمر على كل باب ألف وصيفة ، ورأيت داخل القبة ألف مقصورة فى كل مقصورة ألف غرفة فى كل غرفة ألف سرير على كل سرير ألف فراش من الإستبرق بين كل فراش وفراش نهر من ماء تجرى وفوق كل فراش حورية تحير الناظر وتدهش الخاطر .
فرفعت متعجباً وإذا بالنداء من العلى الأعلى أتتعجب من ذلك يا محمد أنظر إلى صدر القبة ترى العجب ، فتأملت فإذا هى مد البصر وإذا فيها قبة من الزمرد الأخضر وفيها سرير من العنبر الأبيض مرصع بالدر والجوهر عليه جارية كحلاء نجلاء شكلاء وجهها أحسن من الشمس والقمر ، وأين للشمس والقمر حسن وملاحة مثل ما لها خلقها الله من قدمها إلى ركبتيها من الكافور الأبيض ومن ركبتيها إلى صدرها من المسك الأزفر ، لها ألف وستمائة زوابة من الشعر لو أشرفت على أهل الأرض والسماء من خنصرها للأضاء المشرق والمغرب ولو بصقت فى البحر الملح لأصبح عذباً ، فقلت : يا أخى يا جبريل لمن هذا النعيم العظيم والعطاء الجسيم ، فقال : يا حبيب الله هذا لمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقاً .
قال ورأيت نعيماً وملكاً كبيراً ، ورأيت فيها سبعة أنهرنهر من ماء ونهر من لبن ونهر من خمر ونهر من عسل ونهر من السلسبيل ونهر من الرحيق ونهر من التسنيم ونهر الكوثر .
ولم أزل أنزل من سماء إلى سماء فما مررت على شئ فى السماوات إلا وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فلما انتهينا إلى السماء الدنيا إذا الليل على حاله لم يتقدم ولم يتأخر فركبت وأتيت مكة شرفها الله تعالى وعظمها ونزلت عن البراق فودعنى جبريل عليه السلام ، وقال : يا محمد إذا أصبحت فحدث قومك بما رأيت من العجائب فى هذه الليلة وبشرهم برحمة الله تعالى ، فقلت : يا أخى يا جبريل إنى أخاف أن يكذبونى ، فقال جبريل : إن كذبوك صدقك أبو بكر فلا تبال بمن كذبوك بعده .
قال النبى صلى الله عليه وسلم فنمت على فراشى إلى وقت صلاة الصبح ثم قمت فصليت الصبح ثم خرجت إلى باب المسجد ، وكان من عادة أبى جهل الخبيث إذا مر علىَّ يقول : بم نبئت يا محمد البارحة ، فمر علىَّ وسألنى على حسب عادته ، فقلت له : أسرى بى ، قال : إلى أين ؟ فقلت : إلى بيت المقدس ثم إلى العرش وخاطبت الحق وخاطبنى وأعطانى وأكرمنى ورأيت الجنة وما أعد الله لأهلها من النعيم المقيم ورأيت النار وما أعد الله لأهلها من الزقوم والحميم ، قال أبو جهل : يا محمد أكتم هذا الأمر ولا تتكلم به وإلا كذبك الخلق ، فقلت له : أأكتم أمراً أنعم الله به علىَّ وقد قال تعالى ( وأما بنعمة ربم فحدث ) ، قال أبو جهل لعنه الله : يا لله العجب من قولك هل تقدر أن تحدث قومك بما أخبرتنى به ؟ فقلت : نعم ، فنادى الخبيث فى أهل مكة شرفها الله تعالى : يا أهل مكة هلموا إلىَّ ، فاجتمع أهل مكة كلهم ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً وقال : يا معشر قريش اعلموا أن الله وتعالى أسرى بى فى هذه الليلة إلى بيت المقدس ثم عرج بى إلى السماوات السبع وشاهدت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورُفعت إلى العرش ودُست على بساط النور وخاطبت الحق وخاطبنى ورأيت الجنة والنار ، وجعلت أصف هذا كله ، وأبو بكر الصديق يقول : صدقت يا صفوة الله صدقت يا حبيب الله ، فقال أبو جهل الخبيث : وصفت فأحسنت فما أريد منك خبر السماء ولكن نريد منك خبر بيت المقدس كيف هو صفه لنا حتى نعلم أن كلامك حق وقولك صدق ، فأطرق النبى صلى الله عليه وسلم رأسه إلى الأرض لأنه دخل بيت المقدس بالليل ومر عليه راجعاً بالليل ولم ير له علامة ولا إشارة .
فأوحى الله إلى جبريل عليه السلام أن تهبط إلى بيت المقدس واقتلعه بأرضه وجباله وتلاله وأوديته وأزقته وشوارعه ومساجده وأبسطه بين يدى حبيبى محمد ، قال فعند ذلك هبط الأمين جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس فجعل النبى ينظر إليه ويصفه مكاناً مكاناً وموضعاً موضعاً حتى أطرقوا جميعاً إلى الأرض وأبو بكر الصديق يقول : صدقت يا حبيب الله ، ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم : لما كنت أنا وأخى جبريل فى الهواء رأيت من بنى مخزوم فلاناً وفلانا هم وركب عند جبل الأراك وقد ضل منهم جمل أورق فناديتهم من الهواء إن جملكم فى واد النخل وهم عند طلوع الشمس من الغد يفدون عليكم فإذا جاءوكم فاسألوهم .
فلما أصبح ذلك اليوم وكان الركب بعيداً ولم يقدروا أن يدركوا مكة عند طلوع الشمس ، قال فأمسك الله فى ذلك اليوم الشمس حتى لحق الركب مكة إكراماً وتصديقاً لكلام سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولما طلعت الشمس دخل الركب مكة وأخبروا أنه ضل منهم بعير ، قالوا وكنا نبحث عنه فنادانا شخص من الهواء إن البعير فى واد النخل ، فأتينا الوادى فوجدناه كما ذكر لنا .
فلما سمع المسلمون ذلك فرحوا فرحاً شديداً وضجوا بالتهليل والتكبير ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حوله وهو بينهم كالقمر وهم حوله كالنجوم .
وأسلم فى ذلك اليوم أربعة آلاف رجل ، وضجت الملائكة فى السماوات بالتهليل والتكبير إكراماً للبشير النذير ، وعاداه أبو جهل وجحده وحسده وقال : هذا سحر عظيم منك يا محمد .
وأقبل النبى صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه بما رآه فى السماوات والعرش من العجائب وما رآه فى الجنان من النعيم الدائم لأهل محبته وما رآه فى النار والجحيم من الحميم والعذاب الأليم لأعدائه ( وهذا آخر المعراج ) .
﴿ تم بحمد الله ﴾
************************
تم بحمد الله الجزء الأخير من الكتاب للاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج 😍
تعليقات
إرسال تعليق